قراءة في رسالة الأسر
إعداد | أبومصعب
مقدمة :
نظام الأسر هو أحد الأنظمة التربوية التي وضعها الإمام البنا بقصد تقوية صف الجماعة و خلق البيئة المسلمة الحقيقية او المجتمع المسلم الذي يشبه المجتمع الأول الذي عاش فيه الصحابة رضوان الله عليهم يقول الأستاذ عمر التلمسانى "..فكان نظام الأسر في الإخوان يقصد به التعارف والتعاون والتكامل والحب وإن الأسرة الواحدة كانت تتكافل فيما بينها في جميع أوجه شئون الحياة المحتاج يعطيه من لديه والابن يعطيه المدرس في أسرته درسا وهكذا كان التكافل بين أعضاء الأسر على وجه متكامل وبناء وكان المقصود من نظام الأسر وحدة الفهم وإيجاد نوع من التكافل بين الإخوان المسلمين جميعا ولم يقصد أن يعارض أي نظام آخر"
ولعل الإمام البنا رحمه الله قد استمد هذه الفكرة من سيرة النبي صلي الله عليه وسلم حيث كان يجمع أصحابه في بداية الدعوة في دار الأرقم بن أبي الأرقم مكوناً اللبنة الأولي للمجتمع المسلم و التي صارت حصن الإسلام ودرعه الواقي فيما بعد حيث تجردت هذه المجموعة لله فقاومت التعذيب في مكة و الترغيب بعد أن فتح الله عليهم البلاد و صاروا إلي الآن القدوة والمثل وكذلك أراد الشيخ البنا للإخوان كما يقول الأستاذ الهضيبي: "وليس نظام الأسر إلا تحقيق معاني الإسلام تحقيقًا عمليًّا بين الإخوان، فإذا هم حقَّقوا ذلك في أنفسهم صحَّ لهم أن ينتظروا ما وعد الله به المؤمنين من نصر..".
النشأة والتأسيس:
من المفيد لدارس رسالة الأسر أن يعرف الظروف التاريخية لنشأة هذا النظام (نظام الأسر ) إذ أن الظروف التاريخية التي دفعت بالإمام البنا لوضع هذا الاجتهاد لتوضح أهميته بالنسبة للفرد وللجماعة علي حد سواء.
((تاريخ نظام الأسر في الجماعة مرتبط بظروف سياسية عاشتها الجماعة، نذكرها هنا بصورة موجزة على النحو التالي:
* في أوائل أكتوبر 1941 م، عقد الإمام البنا اجتماعات في مدينة دمنهور هاجم فيها السياسة البريطانية هجوما سافرا، فصدر أمر رئيس الوزراء ‘ حسين سرى ‘ باعتقاله، فاعتقل في 13 أكتوبر سنة 1941 م..
وأخذت الحكومة تضيق على الجماعة وتصادر مطبوعاتها، وتمنع ظهور اسم ‘ الإخوان المسلمون ‘ في أي صحيفة أو كتاب، مستجيبة في ذلك لأمر المستعمرين الإنجليز.
* في ذلك الوقت - وقت الحرب العالمية الثانية – كانت جيوش الألمان تكتسح أمامها جيوش الحلفاء في الصحراء الغربية، حتى كادت تقتحم دلتا مصر، فسقطت وزارة ‘ حسين سرى ‘ وجاءت وزارة ‘ النحاس ‘، وتقرر إجراء انتخابات جديدة.
وتقدم الأستاذ مرشحا نفسه عن دائرة الإسماعيلية، وللإخوان مالهم من النفوذ، وفى أثناء المعركة الانتخابية استدعى ‘ النحاس ‘ المرشد وحدثه بصراحة قائلا: إن الإنجليز طلبوا منه أن يحول بين ‘ حسن البنا ‘ و دخول المجلس بأي طريقة، مبديا دهشته من إصرار الإنجليز على منع رجل من الشعب من دخول مجلس النواب !!(…)، وقدم الأستاذ دليلا على صدق نيته بأن تنازل عن ترشيح نفسه، فحفظها النحاس جميلا، فصرح بصدور مجلة باسم ‘ الإخوان المسلمون ‘ وسمح للجماعة بإقامة المؤتمرات العامة، وبنشاط فرق الجوالة - وكل ذلك كان مما حرمته حكومة ‘ حسين سرى ‘ على الجماعة.
وجاء دور الإنجليز مع الأخوان فحاولوا التقرب من الجماعة بل حاولوا شراء الجماعة بالمال (…)ويحدث الأستاذ عن ذلك قائلا: كان الكلام ينزل على قلبي كأنه الخناجر وكان رده عليهم - بعد أن ظنوا أنهم أقنعوه لحسن استماعه - أن قال للمندوب البريطاني: إنكم مادمتم تعتبروننا رقيقا يباع ويشترى بالمال، فلن تستطيعوا أن تتفاهموا معنا، ولابد لكم من أن تعترفوا بحقيقة التطورات التي حدثت في العالم الإسلامي، وأن تغيروا عقلية التجار التي دخلتم بها أرضنا.
ت- وبعد هذه المقابلة الحاسمة؛ ضغط الإنجليز على النحاس ليضيق على الإخوان ففعل، إذ أصدر أمرا بإغلاق جميع شعب الإخوان في القطر المصري كله، وإن أبقى على المركز العام غير مغلق تحت المراقبة الشديدة، واشتطت الحكومة في تعقب الإخوان ورصد حركاتهم، وحاول الإنجليز استفزاز الإخوان ليقاوموا هذا الضغط؛ فيجد الإنجليز فرصة للبطش بالإخوان بطستهم التي يريدون -وبخاصة أن البلاد في ظل حرب عالمية وحكم عسكري.
* ولكن الإخوان فهموا المخطط، وفوتوا على الإنجليز هدفهم، واتجه الإخوان إلى المساجد، يقرأون فيها رسالة ‘ المأثورات ‘، ويلقى بعضهم عظة، أو كلمة في المسجد، إذا أتيح ذلك له.
ث- وأشيع في ذلك الجو الرهيب أن الإنجليز سوف يلقون القبض على الأستاذ وربما نفوه من مصر - كما فعلوا من قبل مع عدد من الزعماء والمصلحين - وأحس الأستاذ بذلك فكتب رسالة إلى إخوانه سميت: ‘ رسالة النبي الأمين ‘، وهى نفس الرسالة التي اشتهرت فيما بعد باسم: ‘ بين الأمس واليوم ‘ وهى هي التي نشرت آنا آخر باسم: ‘ من تطورات الفكرة الإسلامية وأهدافها
غير أن هذه الظروف مرت بسلام، ولم يعتقل الإنجليز المرشد ولا أغروا بالجماعة رئيس الوزراء - ربما لظروفهم السيئة في الحرب مع الألمان، وإيثارهم ألا يفتحوا في هذه الظروف العصيبة جبهة داخلية في مصر.
ج- بل حدث ما هو أكثر من ذلك؛ إذ أصدر رئيس الوزراء أمراً بفتح شعب الإخوان المسلمين فئ نفس عام 1943 م، وعقد الإخوان اجتماعا ضخما ضم المسئولين من الإخوان في القطر كله، وكان أهم ما في هذا الاجتماع أمرين:
الأول: قراءة رسالة النبي الأمين.
الثاني: تقرير نظام الأسر - التي سميت حينها بالأسر التعاونية.
تلك صورة واضحة لتاريخ نظام الأسرة فالجماعة، وهو نظام قديم في تاريخ الجماعة، ورسالة الأسر التعاونية قديمة كذلك، لم تسبقها من الرسائل سوى ‘ رسالة المنهج ‘، تلك التي حدد فيها المرشد مراحل العمل، وتكوين الكتائب عام 1937 م.
ولقد كان نظام الأسر في الجماعة وتاريخها، هو البناء الدقيق للجماعة من الداخل. لكي تستطيع الجماعة مواجهة التحدي الذي يستهدف القضاء عليها، وهذا البناء الداخلي كان يتطلب من الجماعة أن تقيم بناءها الداخلي على الأسس التالية:
ا - الفهم الجيد للدين: أهدافه ووسائله.
2 - الإيمان العميق بهذا الدين، والاعتزاز بالانتماء إليه.
3 - تنظيم صفوف الجماعة وتقوية العلاقات بين أفرادها.
4 - التعاون بين الأفراد في كل أمر يخدم الإسلام.
5 – التعارف الكامل بين الأفراد.
6 -التناصح والتواس بالحق والصبر.
7 -أن يحمل الفرد عبء الجماعة، وأن تحمل الجماعة عبء الفرد.
8 - أن تحمل الجماعة وأفرادها عبء الدين.
9 - تطبيق الإيمان تطبيقاً عملياً في العقيدة.
10 – تطبيق الإسلام تطبيقاً عملياً في العبادة والمعاملة والسلوك والأخلاق.)[1]
قراءة في الرسالة :
المتصفح لهذه الرسالة يجد أنها من الرسائل القليلة في كلماتها العظيمة في معانيها و ما يترتب عليها من واجبات و تكليفا تمثل عصب عمل الجماعة وشغلها الشاغل فالرسالة تنقسم إلي قسمين أساسيين هما:
1-أركان الأسرة 2- برنامج الأسرة
تحت الأركان تحدث الأمام أولا عن حرص الإسلام علي تكوين روابط او لبنات صالحة ثم يدعو الإمام الناس ليكونوا من هذه اللبنات (( يحرص الإسلام على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا ويقوي روابطهم، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات، فاحرص يا أخي أن تكون لبنةً صالحةً في هذا البناء (الإسلام ))[2]
ثم يبدأ في تفصيل أركان هذه الرابطة او ما يفترض أن يتوفر فيها لتكون لبنة صحيحة و اول ما يبدأ به الإمام البنا هو ركن التعارف
التعارف
التعارف :هو شعار هذا الدين وهو أمر قرأني للمسلم مع جميع بني البشر فكيف لا يكون واجبا في حق أبناء المنهج الواحد و الفكرة الواحدة والمصير المشترك ؟ يقول تعالي (يا أيها الناس إئا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) والتعارف الذي رمي إليه الإمام البنا أعمق بكثير من ذلك الذي يتبادر إلي أذهان كثير من الإخوة من أنه معرفة الاسم والبلد و الوظيفة….الخ فالذي أحس بالإمام البنا ليدرك انه كان يقصد بالتعارف: تعارف القلوب و انكشاف المستور من أمور قد يخجل المرء من عرضها، التعارف الذي يقصده البنا – كما أظن – كان هدفه زيادة الحب و توثيق الصلة و هذا لا يتأتى فقط بمعرفة معلومات عن أخيك وإنما أن تتعرف إلي حاله فتعينه والي إيمانه فتزيده والي دنياه فتُجَمّلها والي أخرته فتعينه عليها وهكذا تعرف ما يحب فتأتيه و ما يكره فتأبي نفسك أن تؤذيه. التعارف الذي يقصد الإمام البنا هو أن تلتصق بأخيك في المأكل والمشرب و الحضر والسفر حتى تخبر أحواله و دنياه فإن كنت علي البعد و سئلت عن أخيك أجبت بحاضره وكأن الحجب عنك مرفوعة والأستار دونك موضوعة، وهو – أي التعارف – كما يقول الأستاذ علي عبد الحليم محمود (يظل يشمل في طريقه إلى منتهاه أمورا كثيرة منها: التعارف على النفس والميول والاتجاهات والعقل والثقافة والروح وقدر رغبتها في العبادة والتقرب إلى الله، والبدن ومدى ما منحه الله من طاقة، والظروف الاجتماعية كاملة مفصلة، والظروف الاقتصادية كذلك، ومدى ما يملك الأخ من قدرات وإمكانيات، ومدى ما يجيد من عمل، بل مدى ما يعرف من الناس، ويظل التعارف يتسع ويتعمق حتى يشمل كل ما له علاقة بالأخ مما أباح الله له أن يطلع عليه سواه، ومنتهاه وغايته أن يعرف الأخ جدول العمل اليومي لأخيه على مدى أسبوع كامل، بحيث إذا غير صاحب الجدول في جدوله فإن عليه أن يخبر بذلك أخاه. .. كل ذلك ضروري في مجال العمل الإسلامي، ليمكن توظيف هذه القدرات والطاقات والأوقات لصالح، العمل الإسلامي من جانب، ولزيادة الروابط الإسلامية بين الأفراد من جانب آخر، ولسهولة اتصال الأخ بأخيه من جانب ثالث))[3]
ولعله من المفيد أن نرجع إلي سنة الني صلي الله عليه وسلم ونحن نتحدث عن الإخوة إذ فيها كل ما يمكن أن نبحث عنه وما أجمل أن نسترشد بقصة سيدنا سلمان الفارسي مع أخيه أبي الدرداء ((آخى رسول الله بين أبي الدرداء وسلمان، وذات يوم جاءه سلمان يزوره، فإذا بزوجته تبدو شاكية منه لهجره لها..
فقال سلمان لأم الدرداء: ما شانك؟
قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا.. يقوم الليل، ويصوم النهار.
فجاء أبو الدرداء مرحباً بسلمان، وقرب إليه طعاماً، فقال سلمان كُلْ معي.
قال: إني صائم.
قال سلمان: أقسمت عليك لتفطرنّ.. فأكل أبو الدرداء مع صاحبه ثم بات سلمان عنده، فلما كان الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم فيتهدج ويصلي.. فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً. صُمْ وأفطر، وصل وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه.
فلما أصبح سلمان.. قال لصاحبه قم الآن إن شئت: فقاما معاً وتوضأ ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة.
فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذي أمره سلمان فقال له عليه السلام: (يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقاً، مثل ما قال لك سلمان))
والآن يبقي السؤال من منا وصل بتعارفه وإخوته حد سلمان وأبي الدرداء ؟
التفاهم
يقول الإمام (وهو الركن الثاني من أركان هذا النظام، فاستقيموا على منهج الحق، وافعلوا ما أمركم الله به، واتركوا ما نهاكم عنه، وحاسبوا أنفسكم حساباً دقيقاً على الطاعة والمعصية، ثم بعد ذلك لينصح كل منكم أخاه متى رأى فيه عيبًا، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح، وليشكر له ذلك، وليحذر الناصح أن يتغير قلبه على أخيه المنصوح بمقدار شعرة، وليحذر أن يشعر بانتقاصه، أو بتفضيل نفسه عليه، ولكنه يتستر عليه شهرًا كاملاً، ولا يخبر بما لاحظه أحدًا إلا رئيس الأسرة وحده إذا عجز عن الإصلاح، ثم لا يزال بعد ذلك على حبه لأخيه وتقديره إياه ومودته له، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وليحذر المنصوح من العناد والتصلب وتغير القلب على أخيه الناصح قيد شعرة، فإن مرتبة الحب في الله هي أعلى المراتب، والنصيحة ركن الدين: "الدين النصيحة" والله يعصمكم من بعض، ويعزكم بطاعته، ويصرف عنا وعنكم كيد الشيطان.)[4]
والتفاهم هنا يقصد به الالتقاء علي ثوابت لا تحيد حيث يتحرك الجميع من منطلق واحد ملتزمين بنقطة بداية محددة و نقطة نهاية و واضحة المعالم و لم يترك الشيخ البنا الأمر مبهما فحدد للجماعة الثابت الذي لا يجب أن يحيدوا عنه و هو (فاستقيموا على منهج الحق، وافعلوا ما أمركم الله به، واتركوا ما نهاكم عنه، وحاسبوا أنفسكم حساباً دقيقاً على الطاعة والمعصية، ) ثم حدد نقطة البداية قائلا (ثم بعد ذلك لينصح كل منكم أخاه متى رأى فيه عيبًا، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح، وليشكر له ذلك) ) وبين نقطة النهاية (لا يخبر بما لاحظه أحدًا إلا رئيس الأسرة وحده إذا عجز عن الإصلاح، ثم لا يزال بعد ذلك






















